أحمد بن أعثم الكوفي
375
الفتوح
أبي العاص ، قال : فأعاد الحديث أبو ذر ، فقال عثمان : يا أبا الحسن ! هل سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال علي رضي الله عنه : لم أسمع هذا ولكن قد صدق أبو ذر ، فقال عثمان : وبما ذا صدقته ؟ فقال علي : بحديث النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ( ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أحدا أصدق لهجة من أبي ذر ) ( 1 ) ، فقال جميع من حضر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : صدق علي رضي الله عنه ، وقال أبو ذر : أحدثكم أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وتتهموني ، ما كنت أظن أني أعيش حتى أسمع هذا منكم . فقال عثمان : كذبت ، أنت رجل محب للفتنة ، فقال أبو ذر : اتبع سنة صاحبيك أبي بكر وعمر حتى لا يكون لاحد عليك كلام ، فقال عثمان : ما أنت وذاك لا أم لك ؟ فقال أبو ذر : والله ما أعرف لي إليك ذنبا إلا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر . قال : فاشتد غضب عثمان ثم قال : أشيروا علي في أمر هذا الشيخ الكذاب فقد فرق جماعة المسلمين ! فقال علي رضي الله عنه : أما أنا فأشير عليك بما قال مؤمن آل فرعون : ( فإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ) ( 2 ) ، فقال عثمان : التراب بفيك يا علي ! فقال علي : بل بفيك يا عثمان ! أتصنع هذا بأبي ذر وهو حبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتاب كتبه إليك معاوية من قد عرفت رفقه وظلمه ؟ قال : فأمسك عثمان عن علي ، ثم أقبل على أبي ذر فقال : اخرج عنا من بلدنا ! فقال أبو ذر : ما أبغض إلي جوارك ولكن إلى أين أخرج ؟ فقال عثمان : إلى حيث شئت ، فقال : أرجع إلى الشام فإنها أرض الجهاد ، فقال عثمان : إني إنما جئت بك من الشام لما تفسد بها علي ولا أحب أن أدرك إليها ، قال أبو ذر : فأخرج إلى العراق ، قال عثمان : لا ، لأنهم قوم أهل شبهة وطعن على الأئمة ، فقال أبو ذر : فإني حيث كنت فلا بد لي من قول الحق ، فإلى أين تحب أن أخرج ؟ فقال عثمان : إلى بلد هو أبغض إليك ، قال : الربذة ( 3 ) ، قال : فأخرج إليها ولا تعدها .
--> ( 1 ) مسند أحمد بن حنبل 2 / 163 ، 175 ، 223 وسنن ابن ماجة : المقدمة ( 11 ) وتاريخ اليعقوبي 2 / 172 البداية والنهاية 7 / 185 . ( 2 ) سورة غافر : 28 . ( 3 ) الربذة : من قرى المدينة على ثلاثة أيام قريبة من ذات عرق على طريق الحجاز إذا رحلت من فيد تريد مكة . وفي رواية الطبري 5 / 66 وابن الأثير 2 / 251 أن أبا ذر استأذن عثمان في الخروج من المدينة فأذن له ، فنزل الربذة . وفي مروج الذهب 2 / 376 واليعقوبي 2 / 172 أن عثمان فرض عليه مغادرة المدينة إلى الربذة .